الغزالي
5
إحياء علوم الدين
فلم ترق في عينه منهن إلا بادية النضارة ، جمع رضي الله عنه فأوعى ، وسعى في إحياء علوم الدين ، فشكر الله له ذلك المسعى ، فلله دره ، من عالم محقق مجيد ، وإمام جامع لشتات الفضائل ، محرر فريد ، لقد أبدع فيما أودع كتابه ، من الفوائد الشوارد ، وقد أغرب فيما أعرب فيه من الأمثلة والشواهد ، وقد أجاد فيما أفاد فيه ، وأملى بيد أنه في العلوم صاحب القدح المعلَّى ، إذ كان رضي الله عنه ، من أسرار العلوم بمحل لا يدرك ، وأين مثله وأصله أصله ، وفضله فضله . هيهات لا يأتي الزمان بمثله إن الزمان بمثله لشحيح وما عسيت أن أقول فيمن جمع أطراف المحاسن ، ونظم أشتات الفضائل ، وأخذ برقاب المحامد ، واستولى على غايات المناقب ، فشجرته في فوارة العلم ، والعمل والعلا ، والفهم ، والذكاء أصلها ، وفروعها في السماء ، مع كونه رضي الله عنه ، ذا الصدر الرحيب ، والقريحة الثاقبة ، والدراية الصائبة ، والنفس السامية ، والهمة العالية ذكر الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي رحمة الله عليه ، أن الفقيه العلامة ، قطب اليمن إسماعيل بن محمد الحضرمي ، ثم اليمنى ، سئل عن تصانيف الغزالي فقال : من جملة جوابه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، سيد الأنبياء ، ومحمد بن إدريس سيد الأئمة ، ومحمد بن محمد بن محمد الغزالي ، سيد المصنفين ، وذكر اليافعي أيضا ، أن الشيخ الإمام الكبير ، أبا الحسن علي بن حرزهم ، الفقيه المشهور المغربي ، كان بالغ في الإنكار على كتاب إحياء علوم الدين ، وكان مطاعا ، مسموع الكلمة ، فأمر بجمع ما ظفر به ، من نسخ الإحياء ، وهم بإحراقها في الجامع يوم الجمعة ، فرأى ليلة تلك الجمعة كأنه دخل الجامع ، فإذا هو بالنبي صلى الله عليه وسلم فيه ، ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما والإمام الغزالي قائم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أقبل ابن حرزهم ، قال الغزالي هذا خصمي يا رسول الله ، فإن كان الأمر كما زعم تبت إلى الله ، وإن كان شيئا حصل لي من بركتك ، واتباع سنتك ، فخذ لي حقي من خصمي ، ثم ناول النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الإحياء ، فتصفحه النبي صلى الله عليه وسلم ، ورقة ورقة ، من أوله إلى آخره ، ثم قال والله إن هذا لشيء حسن ، ثم ناوله الصدّيق رضي الله عنه ، فنظر فيه فاستجاده ، ثم قال نعم والذي بعثك